التمليك بعد السلب
بقلم: مفتاح بو ركلة
التمليك:
القائد الخارف نازلة عليه حلامة التمليك هاليومين، فجأة ومن غير مقدمات أصبح مزاجه المتقلب باستمرار أسير حب التمليك... تمليك الجامعات، تمليك المستشفيات، تمليك المصانع، تمليك الأسواق، تمليك التمليك، أما بخصوص تمليك معسكر باب العزيزية له ولأسرته فقد تم منذ زمن بعيد، وكذلك الحال في تمليك مدينة سرت " للقذاذفة ".
نعم كل شيء اصبح قابلا للتمليك عند قائد الخراب، فهو أول من أمتلك ليبيا أرضاً وثروة، منذ أن سيطر بمفرده على مقاليد الأمور في البلاد، وأبعد كل "الرفاق" حتى تحولت ليبيا الى ملكية خاصة به وبأسرته، وأبناء عمومته، وأعداد كبيرة من قبيلته، ومن يدور في فلكه وفلكهم.
بالطبع القذافي يجيد فن التمليك كما يجيد فن السلب والنهب، فقد قام منذ عدة سنوات بإنشاء جمعية "خيريه" ملكية خاصة لأبنه سيف ومفصلة بالتمام والكمال على مقاسه.
مهمة هذه الجمعية كما يعرفها الشعب الليبي، هي تبزعيق فلوس الليبيين ذات اليمين وذات الشمال على الأجانب بصفة خاصة، مع حرمان الليبيين من أى منفعة لهم، سوى التجمل عليهم بإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسين المتهمين ظلماً اصلا.
هذه الجمعية الخيرية، قامت بتمليك نفسها للمليارات المنهوبة من قوت الليبيين ، بعد موافقة "سلطة الشعب"، بل إن سيف نفسه قام بامتلاك، واستثمار المليارات في الخارج لمصلحته الخيرية، ولا يخفى القارىء بأن الحس التمليكي يسري على جميع أفراد الأسرة الثورية المالكة في ليبيا، فعويشة على سبيل المثال تملك دكاناُ عامراُ بالملايين تحت أسم جمعية واعتصموا، وهي جمعية لاتتعاطي في السياسة، ولكنها تتعاطى في العمل الخيري والإنساني ولكن بدرجة أقل ألف مرة من درجة العمل والتعاطي في العمل التجاري والمالي.
استولت هذه الجمعية الموقرة على ما كان يعرف في السابق، بإسم سوق الثلاثاء في مدينة طرابلس، وحولته الى مراكز تجارية لرعاية أهل الخير من أصحاب الفلوس، أما الأبن البكر فقد اكتفى بامتلاك الشركات اللآسلكية وتلفونات النقال، وما شابه ذلك من (الخيرات) اللى تدر الملايين والمليارات.
المعتصم القذافي اكتفى بامتلاك زمام الأمن الوطني، وحصل على درجة مستشار تعطيه الحق في عمل كل شيء يخص الأمن الوطني للأسرة الحاكمة وحمايتها، رغم أن تخصص المعتصم هو في الأمن النسوي وليس الوطني.
اما الأبن العفيف الشريف الساعدي، الذي اشادت الصحافة الإيطالية بأخلاقه الحميدة، فقد اكتفى بامتلاك مايسمى بكتائب وجحافل الجيش والصاعقة ،مع توجيهات ونصائح عامل البريد"الرفيق" أبو بكر يونس جابر، لاشك أن نزع ملكية مملكة الكورة التي كان يديرها الساعدي لحسابه الخاص بملايين الدينارات المنهوبة من الشعب الليبي ، وبمباركة من الأب الحنون قد وضعت تحت الإرجاء في المرحلة الحالية.
وعن خميس القذافي، فحدث ولا حرج، فقد اعطاه على بابا، أقصد "باباه" وليس بابا الفاتيكان شيك على بياض في تملك إدارة " القوات المسلحة" بيع وشراء وتصدير والذي منه.
السيدة الأولى "الفركاشية" دخلت لعبة التمليك والإمتلاك ، منذ فترة طويلة أى اثناء سنوات السلب والنهب والتأميمات التي طالت كل الليبيين، السيدة صفية أقامت امبرطورية صغيرة على مقاسها، تبدأ من مدينة شحات، وتمر بالبيضاء وتنتهى في ضواحي طرابلس، كذلك علينا أن لاننسى الأخوة "آل فركاش" محمد، وصالح ، وبو شعراية، كل واحد ميغم من جهة ، وخذا نصيبة بالكامل الحي منهم والميت.
والحديث عن أبناء العمومة والقبيلة يحتاج الى مجلدات ومجلدات، ولكن نحمد الله أن جزء كبير من عملية التوثيق، قد جرى ومازال يجري في السجل الخاص بحقوق الملكية، التي استولى عليها القذافي وكل من له صلة به، او من سار في ركبه.
الشعب الليبي يعرف السيرة "العطرة" للسيد قذاف الدم، في اوربا، ومصر، وليبيا، بعد أن انفق عشرات الملايين على ملذاته، وسهراته، وشهواته المعروفة للقاصي والداني، هو أيضا لم يحرمه القائد حقه في التمليك، حيث جرى تمليكه القيادة الشعبية الإجتماعية، التي تنحصر مهمتها في ضرب الدفوف والبنادير لولي نعمته وللأسرة الحاكمة ، وللحفاظ فيما بعد على عملية التوريث، أما أخوه احمد قذاف الدم، فقد اوكلت اليه مهمة الإنفاق على المصريين، حكومة وشعباُ، وأندية رياضية، وفنانيين وفنانات، وراقصين وراقصات، وحتى بعض زوجات المسؤلين المصريين، حتى انه تم إبعاده بطلب من الحكومة المصرية للتدخل في الشئون العائلية على المستوى الرسمي.
المُنّظر الإيدولوجي، احمد إبراهيم، مالك مزارع الإبل والأراضى باسم "الثورية"، فقد اوكلت اليه اخيرا ملكية اللجان الثورية لأعمال التصفية الجسدية، وإرهاب وسلب الشعب الليبي، ويبدوا ان الخدمات الجليلة التي قدمها لسيده القائد، وتضمنت الرخيص والغالي، لم تشفع له في زيادة مخصصات التمليك.
لا تحسب ايها القارىء ان المس التمليكي الذي اصاب القذافي اخيراُ ليست له جذور وامتدادات خارجية، لعل المعروف منها بدأ منذ غزو العراق والقبض على صدام حسين، فقد قام القائد المملوكي بتمليك الولايات المتحدة الأمريكية مايعرف باسم اسلحة الدمار الشامل الليبية، وذلك بدون فلس واحد أو اي مقابل، سوى كلمة شكرا جيت للطريق يا....، ولم يكتفى القذافي بذلك بل إنه تبرع بحصة تمليكية، لشركات البترول الأمريكية في آبار النفط الليبية.
وهكذا حاجة تجر حاجة، فبعد دفع دية الأمريكان والفرنسيين والأمريكان، جراء الجرائم التي ارتكبتها أجهزته، قرر صاحب دكان الجماهيرية لغير الليبيين، إعطاء حصة اوربا من الثروة الليبية النفطية، وهذا ما اسفرت عنه زيارات بعض القادة الأوربين لخيمته الليمونية، كما اسفرت عنه زيارته هو لكل من البرتغال، وفرنسا، واسبانيا، وهذا يعنى مافيش حد أحسن من حد، كل واحد خده نصيبة إلا الشعب الليبي المغلوب على أمره.
السلب والنهب:
مع أن السلب والنهب بدا في ليبيا منذ الأيام الأولى للإنقلاب، عن طريق تخصيص عدة ملايين لكل رفيق من رفاق على بابا، إلا ان عام 1979 قد شهد سلب ونهب الشعب الليبي، ليس فقط من ثروة البترول ولكن من ممتلكات ابناء هذا الشعب الخاصة، ومن بيوتهم ، ومن أراضيهم ، ومن محلاتهم، ومن تجارتهم، باسم عدالة التوزيع.... ليست عدالة التوزيع المال العام، وليست عدالة توزيع الملكية، ولكن توزيع الفقر والبؤس والظلم الذي مس كل بيت، وكل اسرة، وكل قرية ومدينة، ولكنه لم يمس القذافي، ولا أسرته، ولاقبيلته، ولا كل السائرين في الركب معه.
الغريب في الأمر أن السلب ونزع الملكية الخاصة لليبيين لم يتم بقوانين، بل بخطبة عصماء وأوامر شفوية وتحريض من الحاكم المملوكي للإستيلاء على حقوق الغير، وحتى تتم المسرحية بفصولها التراجيدية، والماساوية، ومن ثم تضيع حقوق الناس، جاءت أوامر القائد المملوكي بحرق مباني ومقار التسجيل العقاري في المدن الليبية.
والسؤال المطروح اليوم، بعد أن ركب القذافي موجة التمليك هو:
- لماذا تم منذ البداية تجريد غالبية ابناء الشعب الليبي من ملكيتهم الخاصة ؟
- ولماذا خراب بيوت الليبيين في دولة نفطية غنية عدد سكانها لا يتجاوز عدد سكان حي من احياء الدول المجاورة ؟
- لماذا سلب الناس من املاكها الخاصة في الوقت الذي يمكن للدولة أن تقيم الالاف بل المئات من الالاف من البيوت والمساكن ومن المشروعات والإقتصادية والتجارية ؟
- لماذا تجريد الناس من حقوقهم الشرعية في الملكية ، وإعطائها لآخرين بدون حقوق شرعية ؟
- وهل يعقل أن تكون من مسؤلية الذين سلبت أموالهم وممتلكاتهم، واراضيهم، وتجارتهم، أن يعولوا من لا بيوت لهم، ولا أرزاق لهم !!! أم هي مسؤلية اللصوص الذين سرقوا السلطة باسم الشعب الليبي، ووظفوا واستخدموا كل شيء في ليبيا لصالحهم وصالح أسرهم واهاليهم ؟
- اين هي العدالة الإجتماعية التي جاء بها هذا الحاكم المملوكي، بعد اربعين عاما لم تشهد فيها البلاد سوى الخراب والدمار والإفلاس ،الذي أوصل ليبيا الى أدنى مستوى من التخلف والإنحطاط والفساد ؟
سياسة التمليك التي تسيطر على عقل القائد المملوكي الآن هي كسياسة التتريك التي فرضها الأتراك على العرب فأدت الى انهيار الدولة وتحللها، وسياسة تمليك الجامعات والمستشفيات... الى اخره، سوف تقود الى نفس النتيجة إن لم يكن الى اسواء منها.
مفتاح بو ركلة