قد يصعب على المرء كتابة ما أدمع العين، وغصت بعبراته القلب، ولكن واقعية القدر هي التي جعلت من أسرة فيصل عبد القادر الأوجلي، المُكونة من سبع أفراد، تقطن غرفة فوق أسطح إحدى البنايات.
ذهبت وعاينت المكان. لم أستغرق الوقت الكثير، لأنها غرفة واحدة بسرير (نفر)، يتسابق عليه الأولاد الخمسة لحجز أماكنهم هرباً من البرد. كما لفت نظري دورة المياه التي لم تسترها إلا قطعة قُماش، قد يهبها الريح، فتكشف عن ما بداخلها، وكذلك كثرة (الشلتات). وما إن لاحظت زوجة فيصل نظرات الاستغراب تكسُو وجهي، حتى جاءتني الإجابة مُسرعة: "هذه الشلتات نضعها فوق منا أثناء الجلوس والنوم، حتى تقينا قطرات المطر المتساقطة من السقف (الزينقو)".
الحمام الذي لا يستره إلا هذا الغطاء من القماش
وما إن كاد جسدي يلتصق بأحد حوائط المكان، حتى حذرتني زوجة فيصل، بأن "الساس يخبط .. فيه ماصّة". بمعنى أن حوائط المكان تسري فيها تيارات كهربائية من جراء الأسلاك العارية، والمنتشرة داخل المكان، والذي ما إن تهطل الأمطار حتي تصبح حياة الأسرة معرضة لحريق مُتوقع النشوب.
أسلاك الكهرباء المنتشرة في كل مكان مما جعل حوائط الغرفة مُكهربة
أما ما قاله الأب الذي لاحت على ملامحه قلة الحيلة، فهو: "أسكن هنا منذ أربع سنوات، حيث كان المكان يقتصر فقط على حجرة واحدة، ولكني أكملت وبنيت حماما، و (كوجينة)، بمساعدة أهل الخير، وغطيت كل ذلك (بزينقو)، الذي لم يقنا برد الشتاء العاصف القارص، ولا حتى حرالصيف اللاذع. لدي ولد، وأربع بنات، إحداهن معاقة منذ الولادة، نتيجة لنقص الأكسجين الذي سببته آلة (الشفط) في المستشفى، وهذا الوضع الذي نعيشه لا يُلائمها إطلاقاً.
كما أثر سلباً على باقي الأولاد، فالبيت مليء بالرطوبة، لدرجة أن الجدران لا نستطيع لمسها من جراء (الماصة) التي جاءتها من الأسلاك الكهربائية الممتدة على طول هذا المكان، الذي لا أستطيع تسميته بيتا.
الطفلة المعاقة التي يعيش كافة أفراد الأسرة براتبها الضماني
لقد قدمت في حالات البحث الاجتماعي، وبالفعل أتوا وعاينوا المكان، وأتممت كافة الإجراءات التي أخذت طريقها إلى طرابلس، وجاء إسمي من ضمن الحالات الطارئة (للسكن). ورغم كل العراقيل التي واجهتني في الحصول علي الشهادة القطعية، التي قطعت نفسي لمدة خمسة شهور، حتى تحصلت عليها، والتي من خلالها سوف أستلم السكن الجديد كما هو مفترض.
وبالرغم من كل ذلك لم يتم تسليمي شيء، وتوجهت إلى المصرف الذي فاجئني مديره بالقول: "وقفنا عليهم الحالات الطارئة". فأجبته قائلاً: "ماذا أفعل أنا وأسرتي؟". لم يستجب لي سيادة المدير، فخرجت وأنا أُردد: "حسبي الله ونعم الوكيل".
فيصل "رب الأسرة" يشرح لنا وضعه المأساوي * بادرته بالسؤال: هل تعمل؟
- منذ شهرين فقط إلتحقت بالأمن الصناعي في شركة الكهرباء براتب 180 دينار، ومن أجل ذلك أوقفت الهيئة العامة للأوقاف عن أسرتي الهبة المالية التي كانت تعطيها لنا، بحكم أني أعمل، ولكن (شوفة عينك) لازلت لم أتقاض أي راتب، والذي يساعدنا على هذه الظروف، هو الراتب الضماني الذي يُصرف لإبنتي المُعاقة، والذي من المفروض أن يُصرف على علاجها، ولكن كل الأسره تقتات منه، وكذلك زوجتي تقوم بـ (حنة) بعض النساء، وكذلك تقوم ببيع "الخبزة اليابسة".
سقف الغرفة مُغطى بالنايلون لتفادي المطر
ودعت الأسرة، وقد لاحظت أثناء خروجي أن سور "المنـْوَر"، الذي تطل فوهته علي السطح، مُصاب هو الآخر بتشقق وتصدع، بيد أن الأطفال لا يعون ذلك، وهم يطلون على باقي أصدقائهم من سكان العمارة. وقد إنتابني خوف النزول، مثلما راودني الخوف أثناء الصعود، لأن جدران العمارة متصدعة، والرطوبة تملأ المكان، لدرجة أن خرسانات العمارة ظاهرة للعيان. وهذا ما أكدته لي إحدى السيدات، والتي يبدو أنها من سكان العمارة، حيث قالت لي مُستغيثة: "إن العمارة آيلة للسقوط .. أرجو نشر ذلك!".
إحدى ساكنات العمارة تشكي من الرطوبة والتصدع في المبنى
تركت فيصل والأمل يملأه، واليقين الكامل بقدرة الله – عز وجل - على تسخير القلوب التي لم تُعمي بصائرهم بعد، في إيجاد وضع أفضل لأسرته.