مفهوم المعارضة وأثـره على العمل الوطني
فايـز العـقوري
من خلال متابعتي لأسلوب المعارضة لدى الكثير من فصائلها الليبية رأيت أنه أسلوب يحتاج إلى نقد وقد يكون نقدا شديدا أحيانا بل ربما في بعضه يحتاج إلى إعادة صياغة من جديد بل إني أحيانا لم أعد أعرف لماذا يعارض هذا ذاك ولماذا يعارض ذاك هذا!
أجدهم أحيانا يعارضون أعمالا وبرامج وطنية تصب بشكل أوبآخر في مصلحة الوطن لا لشئ إلا أنها لا تسب النظام ولا تنتقده، وكأن الأعمال الوطنية كي يحكم لها بالنجاح لا بد لها أن تمتليء صفحاتها وتحشى سطورها بألفاظ السب والشتم والوعد والوعيد. كلا... فما هكذا تورد الإبل يا سعد.
منذ فترة يدور الحديث عن إصلاح داخلي هذا المشروع الذي باركته بعض فصائل وشخصيات المعارضة ورأت أنه خطوة في الاتجاه الصحيح لأنه يحقق بعض متطلبات الشعب الليبي ولأنه تحول كبير في فكر النظام إذا ما قارناه بخمس وثلاثين سنة مضت حيث لم يكن النظام يرى في نفسه إلا كما قال الله تعالى على لسان فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". نظام بهذا القدر من التسلط وتهميش الآخر يعترف الآن بكثير من الأعمال الشائنة ويعد بتصحيحها بغض النظرعن كونه تحمل هوالمسؤلية المباشرة عنها أوحملها غيره فكل المعارضة تعلم أن النظام في شخص العقيد القذافي يعلم أنه هوالمسؤل المباشر عما ارتكب من جرائم خلال العقود الماضية.
ما قام به النظام مؤخرا من تحسين أوضاع السجون والسماح للمحرومين من السفر بالسفر وزيارة مؤسسته الخيرية للسجون وتحقيقها في كثير من حوادث التعذيب والسماح لمؤسسات دولية بزيارة السجن والتقائها ببعض السجناء بل وإعلان النظام مؤخرا نيته إلغاء محكمة الشعب وثنائه على بعض فصائل المعارضة التي كان يصفها بالخيانة والأهم من ذلك كله في نظري ما حصل مؤخرا من مناقشات حادة خلال جلسات مؤتمر الشعب العام على أعلى مستوى الأمر الذي لم يكن موجودا حتى في الخيال مما يظهر خطا آخر لطالما تمنينا وجوده وإن كنا نخالفه في بعض مساعيه وتوجهاته كل ذلك خطوات يجب أن نعترف أنها في الاتجاه الصحيح ويجب أن لا تقودنا مطالبتنا بالأفضل إلى إنكار ذلك لأن اعترافنا بالحق الموجود هو في حد ذاته خطوة نحو الأفضل.
في الجانب الآخر نرى جزءا من المعارضة يرفض كل هذه الخطوات، أو على الأقل يرفض الاعتراف بها، لأنه لا يؤمن إلا بالتغيير الشامل الذي يؤدي إلى إسقاط النظام وتقديمه للمحاكمة. فلا هو استطاع إسقاط النظام ولا هواعترف وبارك خطوات من شأنها أن تصلح حال المواطن الليبي المغلوب على أمره. أو ربما لأن الاعتراف بمثل هذه الأشياء قد يفقده مبرر وجوده، إذ أنه فهم المعارضة على أنها رد كل ما يأتي من الطرف الآخر وعدم النظر فيه، مما يجعل من حقنا النبش عن مدى جدية هؤلاء في عملهم الوطني المعارض وما مدى فهمهم للمعارضة.
"يرى السياسيون أن المعارضة إن لم تكن موجودة فمن الواجب إيجادها. لكن المعارضة لا تعني بالضرورة المواجهة. فالمعارضة هي رقابة دائمة ومستمرة لأداء الحاكم، تدرس الخطط وتقوّم الأعمال وتنتقد الممارسات التي تتعارض مع القوانين والأنظمة، ومع مصالح الدولة والمجتمع. فهي بهذا تمثل مؤسسة في الدولة والمجتمع تحد من الممارسة الخاطئة للحاكم، وتحد من تفرده وطغيانه".
فالمعارضة إن لم تكن عاقلة وموضوعية، وتكون خططها نتاج النظر في الواقع فهي بهذا ربما ستتحول إلى كتلات يابسة لا حراك فيها ولا حياة.
"لذلك يجب على كل الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية المختلفة الاتفاق على ماهي المصلحة العامة للوطن كي نخرج من هذا المناخ الراكد إلى الارتقاء إلى مستوى المجتمع المدني المتحضر".
إن ما نعانيه اليوم من خصومات وتطاحن بين المعارضة والنظام، من جهة، وبين المعارضة فيما بينها من جهة أخرى، يذكرني بالمثل الليبي القائل (يتعاركن الارياح ويجي الكيد ع الساري)، بمعنى أن الرياح قد تكون قبلية وبحرية في آن واحد مما يؤدي إلى تحطم سواري السفن الشراعية التي لم يكن لها دخل في معركة الرياح تلك. هذا ما تقوم به الكثير من فصائل المعارضة من حرب شعواء على كل ما يمت إلى النظام بصلة حتى وإن كان في صالح الشعب كالأمثلة التي ذكرناها آنفا، الأمر الذي يعود ضرره على الشعب الذي لم تكن له علاقة بتلك الحرب. غير أني أقولها ـ وبصراحة وأتحمل تبعاتها من هجوم البعض علي واتهامهم المعهود لكل من ينتقدهم أو يخالفهم الرأي ـ أقول إن هذا المفهوم مفهوم بال، أكل عليه الزمان وشرب. وينبغي علينا أن نكون في مستوى التحديات. كما ينبغي علينا أن نكون عند حسن ظن شعبنا بنا، وألا نطيل عيشه في وهم الأمنيات التي لا تغني من الحق شيئا.
أيا كان تعريف المعارضة إلا أنه ولا شك في النهاية يجب أن يصب في مصلحة القطر بكل ما يحويه من جو وبر وبحر وشعب. وبذلك نصل إلى نقطة مؤداها أن أي عمل وطني نهايته لصالح قطرنا العزيز يجب أن نباركه ونشجعه بل ونشارك فيه إن استطعنا، بغض النظر عمن وراء هذا العمل من الليبيين إذا خلصت نياتهم وصدقت توجهاتهم. وليس بالضرورة طبعا أن يكون القائم على هذا العمل يحمل نفس أفكاري ويسير بنفس توجهاتي، بمعنى أن الإسلامي لا ينبغي أن يشترط أن يكون القائمون على هذه الأعمال إسلاميين، كي يتعاون معهم، أو أن يشترط القومي أن يكونوا قوميين... وهكذا. فالوطن لنا جميعا وهناك قواعد دينية وعرفية وأخلاقية تضبط أعمالنا.
هناك سذاجة في التفكير تجعل البعض لا يؤمن إلا بالأعمال التي نشأت بين يديه، ورعاها ثم أخرجها للناس، وإلا ففي نظرهم كل عمل غير هذا هو مشبوه، مما يجعل الاختلاف في فهم المفاهيم يتعمق بيننا. بل إن البعض يعمق نظرية "إن لم تكن معي فأنت ضدي"، أي إن لم توافق أفكاري وتبارك خطواتي فأنت محكوم عليك بالعمالة مثلا. وإن لم يقولوا هذا بألسنتهم فحالهم ربما يشهد على عليه، وهذه إشكالية لدى الكثير من المعارضين أدت إلى جفوة كبيرة بينهم يعود ضررها على قطرنا الليبي، لأن تعميق هذه النظرية هو توسيع لهوة الخلاف بين فصائل المعارضة التي ينبغي عليها النزول عند الآراء التي تصب في مصلحة الوطن، وإن كانت مخالفة لتوجهاتها وأهوائها. إذ إن العمل الوطني تتنازعه أطراف عدة وليس بالضرورة أن تكون هذه الأطراف صائبة في كل توجهاتها وآرائها. فما تقوم به هو جهد بشري يعتريه الخطأ والنسيان وكثير من العوامل التي قد تضعفه.
لذلك نجد أن النزول عند رأي فيه مصلحة الوطن أمر لا بد منه عملا بالقاعدة الذهبية المشهورة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، حتى وإن كان هذا الرأي صادرا عن النظام نفسه، خصوصا إذا باركته فصائل وشخصيات مشهود لها بالخير والصلاح ورجاحة العقل وسداد الرأي، بعيدا عن الإتهامات التي أصبحت ديدن البعض، خصوصا من المعارضين الأحداث أو المراهقين سياسيا، والتي من شأنها أن تعطل كل عمل وطني تعود فائدته على وطننا الغالي. وبذلك نكون قد اجتزنا عقبة هي من أكبر العقبات في مسيرة العمل الوطني المعارض.
وفي الختام "فإن القول بأن كل الموجود سيء هو نفس القول بأن كل الموجود حسن". إذ ينبغي علينا فهم المتغيرات الدولية والإقليمية التي أدت ولازالت إلى التغيير الداخلي. ومن ينكر هذه التغيرات الدولية فهو بين أمرين أكملهما قاصر. فإما انه لا يتابع ولا يدري عن المتغيرات الدولية شيئا أو أنه لا يرى أنها ذات حجم، وبهذا يكون غير خليق لأن يتصدى عملا إصلاحيا تغييريا. والسلام عليكم.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط[اخي العزيز ،، يتوجب عليك اضافة رد لرؤية الرابط]]
3 مارس 2005