ليبيا وتونس تحفز للنهش منذ أبي زيد الهلالي
نصر المجالي
مرة قال بورقيبة .. عندي لواء والقذافي ملازم "عقيد"

بو تفليقة وبن علي في خيمة القذافي في تونس يوم الجمعة الماضي
نصر المجالي من لندن: مرّة تحدى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، جاره الشرقي العقيد الليبي معمر القذافي ردا على هجمات داب توجيهها هذا الأخير لتونس بقوله "إذا كان القذافي ارتقى إلى رتبة عقيد فجأة من رتبته الصغيرة ملازم، فأنا عندي ضابط قادر عليه برتبة لواء"، وكان الرئيس بورقيبة وقتها يعني اللواء زين العابدين بن علي الذي كان عينه مديرا للأمن الوطني. ويبدو أن ساحات الصدام بين ليبيا معمر القذافي مع جيرانها لا تحتاج إلى مناسبة بعينها لتنفجر وتتصدع، وهذا ينطبق على العلاقة مع تونس التي لا يتعامل معها الجيران الليبيون "سوى قطعة من الفردوس والمتعة السياحية"، فهي بالنسبة لهم سويسرا، فرغم الجوار الحدودي الطويل بين تونس وليبيا، إلا أن العلاقات بين الطرفين ظلت متأرجحة بين الغليان والفتور على مدى عقود ثلاثة، وآخر ما يجري من صراع انتقل إلى ساحة الفن.
وفي إطار التنافس الحاد بين طرابلس وتونس المستمر على كل صعيد، او لنقل صراع العقيد واللواء او بمستوى آخر صراع الانفتاح والانغلاق وكذا حال النفط والسياحة ثم الرياضة، فإن سوبر ستار العرب الذي تقيمه محطة تلفزيون المستقبل اللبنانية كل عام سيشهد صراعا مختلفا هذا العام بين تونس اللواء زين العابدين بن علي وجماهيرية العقيد معمر القذافي لا مثله إلا المنافسة قبل عامين بين الجارين الأردن وسورية من خلال مرشحتيهما ديانا كرزون ورويدة عطية، حيث فازت كرزون.
وحسب التقرير الذي كتبته الزميلة رولا نصر في باب (نساء إيلاف) أمس عن منافسات سوبر ستار العرب، فإن تونس تخوض معركتها بأربعة متنافسين هم: أسماء عثماني وأسماء بن أحمد، يسرا حمزاوي وايمن لسّيق، مقابل متنافس ليبي واحد هو إبراهيم عبد العظيم الذي يعتزم انتزاع النجومية مثل مواطنه ايمن الأعتر الذي فاز باللقب في العام الماضي.
وبالطبع، ومع حمى العلاقات السياسية المتعثرة، والرياضية والاقتصادية وتناقض مواقف الزعامتين حول كيان المغرب العربي الموحد، فإن المنافسة لن تكون سهلة أو هينة فنيا، ليس لحجم التنافس التونسي بثلاث فتيات وفتى، مقابل فتى ليبي واحد، بل لأن "القلوب مليانة" كما يقول المثل الشعبي.
ولعل البلدان اللذان يحاولان جاهدين للوصول بحجم تبادلهما التجاري إلى مليار دولار، على أن السياحة الليبية تشكل العامل الثالث لدعم الاقتصاد التونسي، يغضان الطرف عن سيئات بعضهما للبعض الآخر في كثير من الأحيان، ولا ينسى التونسيون التعديات الكثيرة من جانب جارهما الشرقي منذ اعتلائه سدة الحكم في أول سبتمبر 1969 ، وقمة تدخله في الشأن التونسي حين زار تونس في غياب رئيسها "المجاهد بورقيبة خارج البلاد" العام 1970 وإلقاء العقيد لخطاب ألهب فيه المشاعر الشعبية ضد الحكم.
وإذ تاريخ التصادم طويل، والتنابذ بالتاريخ والألقاب بين الجارين ممتد منذ اول حضارة فينيقية بنت مدينة قرطاج التونسية قبل ثلاثة آلاف عام، فإن لا شيء لدى ليبيا تفاخر به سوى أنها كانت معبر للفاتحين الآتين من الشرق متجهين غربا، ولعل حكاية تغريبة بني هلال الشعبية آخر ما دمر علاقات الجارين حيث كانت ليبيا بوابة أبي زيد الهلالي لاقتحام حضارة البرابرة التي اشادها الزناتي خليفة.
وفي الوقت الذي لا زال فيه الشعب التونسي وحكومته يعضون أصابعهم ندما على القبول بالتحكيم في شان تسوية خلاف الجرف القاري العام 1980 مع ليبيا حيث كان للأخيرة نصيب الأسد مقابل الفتات النفطي لتونس، فإن تونس الحكم والرياضة تحسّ بأنها خدعت من جانب الساعدي القذافي نجل العقيد حين أغرى التونسيين بحكاية الاستضافة المشتركة لمونديال كأس العالم لكرة القدم في 2010 .
تدهور رياضي
فقبل عامين، استطاع الساعدي الذي كان نائبا لرئيس اتحاد كرة القدم الليبية إغراء الرئيس التونسي بالفكرة، وما كان من الرئيس بن علي إلا أن استجاب موجها كتابا جمهوريا لرئاسة اتحاد كرة القدم الدولي الذي يشرف على تنظيم المونديال، ولكن في الأخير أسقط في يد الرئيس التونسي وتبين أن جهود الساعدي لم تكن واقعية أو عملية، رغم أن على ذمة المصادر الليبية في المعارضة أنه انفق لترويج الفكرة ما يقارب من تسعة مليارات دولارات.
ولتدارك الخطأ البروتوكولي الذي وقع فيه الرئيس التونسي وحفظا لماء وجه تونس، فإن الرئيس الليبي سارع إلى توقيع رسالة مشتركة مع النظير التونسي إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) حيث اعتذرا عن الذي جرى، وانهارت حكاية الضيافة المشتركة.
وكان الساعدي أبلغ محادثين تونسيين في العام 2003 ان الجماهيرية الليبية قامت بإعداد دراسة خاصة بملف الترشح، مشيرا الى انه في حال قبول ترشح ليبيا وتونس لتنظيم نهائيات كاس العالم 2010 فانه سيقع تطوير البنية الأساسية في الجماهيرية وتشييد ملاعب جديدة.
ووقتها صدر بيان مشترك للجامعة التونسية لكرة القدم والاتحاد العام الليبي لكرة القدم أكدا فيه انه "في اطار توحيد الجهود بين البلدين الشقيقين ودعما لأواصر الاخوة وعملا بتوجيهات قائدي البلدين سيادة الرئيس زين العابدين بن علي والقائد معمر القذافي وتبعا للمشاورات التي جرت بين مسؤولي الجامعة التونسية والاتحاد العام الليبي لكرة القدم حول تنظيم كاس العالم 2010 تم الاتفاق على التقدم بترشح مشترك لاحتضان هذه التظاهرة العالمية الكبرى".
وأفاد البيان كذلك انه تم تكليف لجنة مشتركة لتدارس التدابير العملية لإعداد ملف الترشح والجوانب التطبيقية المتعلقة بالتنظيم المشترك بما يضمن أوفر أسباب النجاح لهذا المشروع. وذلك حسب ما جاء في وأعلن المهندس الساعدي القذافي نائب رئيس الاتحاد الليبي لكرة القدم ان تونس وليبيا سيتقدمان بملف ترشح مشترك لتنظيم نهائيات كاس العالم 2010 لكرة القدم وذلك خلال ندوة صحفية عقدت وقتها في قمرت الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية بحضور عدد من المسؤولين الرياضيين من الجامعة التونسية لكرة القدم والاتحاد العام الليبي لكرة القدم.
وكان نجل العقيد، المهندس الساعدي القذافي اكد وقتها ان التقدم بترشح مشترك بين تونس وليبيا "جاء وفقا لرغبة القيادتين والشعبين الشقيقين"، وقال ان مناخ الأمن والاستقرار والعلاقات المتميزة بين البلدين والتقارب الحدودي والتاريخي والثقافي هي من بين عوامل ساعدت على التقدم بملف الاستضافة المشتركة.
سياسياً .. أسوأ
وهنا يشار إلى أن العلاقات السياسية التي تغلفها البروتوكولات ظاهريا تواجه هي الأخرى مراحل مد وجزر وعدم ثقة بين القيادتين والشعبين سواء بسواء، ولا تنسى القيادة التونسية التعديات الأمنية المستمرة التي مارستها ليبيا لسنوات ثلاثين خلت وكانت تونس تغض الطرف خدمة لمصالحها الخاصة عند الشقيق (العدو) الشرقي.

زين العابدين بن علي والعقيد القذافي في لقائهما في 19 الجاري في تونس
ومما لفت الانتباه في الأسبوع الماضي، هو ما كان يمكن اعتباره المسمار العلني الأخير في نعش العلاقات، حين قاطع الزعيم الليبي معمر القذافي القمة العالمية حول مجتمع المعلومات التي اختتمت اعمالها يوم الجمعة رغم أنه تحادث مع مضيف القمة الرئيس بن علي ومع عدد من المشاركين في اللقاء داخل خيمته في احدي ضواحي العاصمة التونسية وسط اجراءات امنية مشددة. وشارك نحو خمسين من قادة العالم كما شاركت إسرائيل بوفد قاده وزير خارجيتها سيلفان شالوم التونسي الأصل.
وكان يفترض ان يتحدث القذافي امام القمة الخميس الماضي، لكنه تغيب عن الجلسة العامة ولم يلق اي ممثل ليبي كلمة نيابة عنه. وقال مصدر قريب من الزعيم الليبي ان العقيد يمكن ان يكون احتج علي المدة القصيرة التي سمح له فيها بالتحدث في القمة. وبهذا كما علق مراقبون، فإنه وجه إحراجا شديدا لمضيفه رئيس تونس.
لكن مسؤولا ليبيا كان رد على التعليق بالقول "هل يعقل ان نفرض علي زعيم تحديد مدة تدخله؟"، في إشارة الي المدة التي حددت لخطاب القذافي، وردا علي سؤال حول غياب القذافي، قال وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم للصحافيين انه يعود الي التزامات بلقاءات يجريها العقيد في الوقت نفسه.
ويبدو أن وساطة شهدتها خيمة العقيد القذافي حين وصل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يوم الجمعة الماضي فجأة وقت انعقاد اجتماع بن علي والعقيد، حيث يحتمل أن "القلوب تصافت وأن الجفاء زال ولو إلى حين"، ثم غادر القذافي أرض تونس عائدا إلى طرابلس.
وعن ذلك اللقاء قالت وكالة تونس الرسمية للأنباء يومها أن القادة الثلاثة تناولوا اهمية قمة تونس حول المعلومات لما توفره من فرص وحظوظ للنهوض بتكنولوجيات الاتصال والمعلومات لا سيما في المنطقة المغاربية وفي افريقيا. وتطرقوا الي الاوضاع التي تشهدها الساحة العربية والقارة الافريقية.
كما أن الزعيم الليبي الذي يترأس اتحاد المغرب العربي التقى مع رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في موريتانيا اعلى ولد محمد فال والرئيس السوداني حسن عمر البشير. ويضم اتحاد المغرب العربي الذي تأسس عام 1989 كلا من تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا.
أخيرا، يشار إلى أن القذافي استقبل كذلك وزير الاتصالات الايراني محمد سليماني الذي سلمه رسالة خاصة من الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي تغيب عن القمة، تتعلق بالوضع في المنطقة وموقف ايران من القضايا الدولية. وكان الرئيس الايراني دعا في 26 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي الي ضرورة ازالة اسرائيل من الوجود مما اثار ردود فعل دولية حادة. واستقبل القذافي ايضا سهي عرفات ارملة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وابنتهما زهوة اللتين تقيمان بين تونس وباريس. وعبرت ارملة عرفات عن دعمها وتأييدها لمبادرة القذافي بالدعوة الي تشكيل لجنة تحقيق دولية في وفاة عرفات في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 في مستشفي في ضواحي العاصمة الفرنسية.
نقلا عن موقع ايلاف